من غواتيمالا إلى غوغل: بدايات عبقري برمجي مبكر
وُلد فون آن مؤسس Duolingo عام 1978 في مدينة غواتيمالا سيتي. ومنذ طفولته، كان شغوفًا بالعلوم والبرمجة، ما دفعه لاحقًا للدراسة في الولايات المتحدة، حيث التحق بجامعة كارنيجي ميلون، إحدى أرقى الجامعات في علوم الحاسوب.
في أوائل العشرينيات من عمره، شارك فون آن في تطوير تقنية CAPTCHA — تلك الحروف والأرقام المشوشة التي تُستخدم للتفرقة بين الإنسان والآلة. الهدف كان بسيطًا: منع الروبوتات من ملء النماذج الإلكترونية وإغراق البريد العشوائي
لكن النجاح الحقيقي لم يكن في الفكرة فقط، بل في الرؤية التي تبعتها. في عام 2007، طوّر مع فريقه تقنية reCAPTCHA، والتي استغلت تفاعل الإنسان مع الصور والحروف في تعليم الذكاء الاصطناعي والتعرف البصري، إضافة إلى رقمنة ملايين الكتب الورقية.
وقد لاحظ فون آن حينها مفارقة مقلقة: 200 مليون إنسان يكتبون رموزًا بلا معنى كل يوم، بمعدل 10 ثوانٍ للشخص. بمعنى آخر: نصف مليون ساعة بشرية تُهدر يوميًا في لا شيء.
وبدلًا من الشعور بالفخر، شعر بالذنب.
حين يتحوّل الذنب إلى رؤية تعليمية
في عام 2009، استحوذت غوغل على reCAPTCHA مقابل مبلغ غير معلن، يُعتقد أنه بلغ عشرات الملايين من الدولارات. ومع هذا النجاح، كان بإمكان فون آن أن يتقاعد شابًا، ويعيش في رفاهية.
لكنه لم يفعل.
في لقاءاته الصحفية، كان دائمًا ما يُكرر فكرة واحدة: “لا أريد أن أكون الشخص الذي جعل الناس يضيعون وقتهم على الإنترنت، بل أريد أن أكون من أعاد لهذا الوقت قيمته”.
ومن هذه الفكرة، ولدت Duolingo.
Duolingo: تعليم مجاني لمئات الملايين
في عام 2011، تعاون فون آن مؤسس Duolingo مع طالب دكتوراه متميز يُدعى سيفيرين هاكر، كان يدرّسه في جامعة كارنيجي ميلون. سأل نفسه مع هاكر:
كيف يمكننا أن نُعلم ملايين الناس لغات جديدة… مجانًا؟
النتيجة كانت Duolingo، تطبيقًا تعليميًا للغات، يدمج بين البساطة، الترفيه، والفعالية. كان الشعار الأساسي للمشروع واضحًا منذ البداية:
“نجعل التعليم مجانيًا، ممتعًا، ومتاحًا للجميع.”
واليوم، لدى Duolingo أكثر من 500 مليون مستخدم مسجل، وأكثر من 40 مليون مستخدم نشط شهريًا. ورغم أن 94% من خدمات التطبيق مجانية بالكامل، فإن 6% من المستخدمين يدفعون اشتراكًا شهريًا للحصول على ميزات إضافية. هذا النموذج الذكي يُدرّ على الشركة مئات الملايين سنويًا، وجعل قيمتها السوقية تقدر – حتى لحظة كتابة هذه السطور – بحوالي 14 مليار دولار، بعد أن تم طرح الشركة في بورصة ناسدك>
في Duolingo… السائق يقرر مصيرك!
جانب آخر مثير في شخصية فون آن هو حرصه على بناء ثقافة إنسانية في شركته. بالنسبة له، الذكاء والمهارات لا يكفيان.
عندما تسافر شخصية تنفيذية لإجراء مقابلة عمل في مقر الشركة، تقوم Duolingo بترتيب سيارة لنقلها من المطار إلى المكتب. غير أن ما لا يعرفه المرشح هو أن السائق نفسه جزء من عملية التقييم!
تدفع الشركة للسائق ليكتب تقريرًا عن أسلوب تعامل الضيف: هل كان مهذبًا؟ متعجرفًا؟ محترمًا؟
رفضنا توظيف أشخاص بارعين جدًا لأنهم كانوا وقحين مع السائق”، يقول فون آن ببساطة.
إنه اختبار حقيقي، وصامت، يكشف المعدن الأصيل بعيدًا عن قاعات الاجتماعات.
هذه الفلسفة تعكس قناعته الراسخة بأن أفضل الفرق ليست تلك التي تضم الأذكى فقط، بل التي تُبنى على الاحترام، والتواضع، والتعاون.
تكنولوجيا للناس، لا ضدهم
في وقت تنجرف فيه معظم الشركات الناشئة وراء تقييمات المليار دولار، دون أن تفكر في ما تقدّمه حقًا للعالم، يظل فون آن حالة مختلفة.
هو ليس رجل وادي السيليكون النموذجي. لا يلهث خلف “النمو بأي ثمن”. بل يركز على سؤال جوهري:
“كيف أستغل قدرات التكنولوجيا لإفادة أكبر عدد ممكن من الناس؟”
سواءً من خلال CAPTCHA التي ساهمت في تقليل الاحتيال، أو من خلال reCAPTCHA التي ساعدت في تعليم الآلات والذكاء الاصطناعي، أو عبر Duolingo الذي فتح أبواب التعليم لملايين الفقراء حول العالم — لا يزال لويس فون آن وفيًا لفكرة واحدة:
أن يكون الوقت البشري على الإنترنت له معنى.