ي السنة الثالثة من دراسته للأحياء في معهد باندونغ للتكنولوجيا، لم يكن جبران حذيفة يتوقع أن محاضرة واحدة ستعيد ترتيب خطته للحياة. هو نفسه اعترف لاحقًا أنه اختار مادة الاستزراع السمكي لسبب عملي جدًا: كانت “مضمونة العلامة” وتساعده على رفع معدله.
لكن ما سمعه داخل القاعة كان كافيًا ليزرع سؤالًا أكبر.
تحدث أستاذه يومها عن تحول متوقع في العادات الغذائية خلال خمس إلى عشر سنوات: الأسماك — وعلى رأسها سمك السلور — ستصبح عنصرًا متكررًا على قوائم الفنادق والمطاعم. كما لفت انتباهه إلى انتشار أسماك المياه العذبة — مثل “الدوري” — في أوروبا والولايات المتحدة. في تلك اللحظة، لم يعد الأمر مجرد مادة جامعية، بل إشارة إلى سوق قادم.
بعد فترة قصيرة، استأجر جبران أول حوض لتربية السمك كمصدر دخل إضافي. وبحلول تخرجه في 2012، كان يدير 76 حوضًا. لكن المشكلة لم تكن في التربية نفسها، بل في هامش الربح: بيع السمك للوسطاء يترك للمزارع فتاتًا، مهما كانت كمية الإنتاج.
“أصنع الطلب بنفسي”… من أحواض السمك إلى عربات الطعام
بدلًا من الاستسلام لقواعد السوق التقليدية، جرّب جبران طريقًا آخر: إذا كان الوسطاء يضغطون الأسعار، فالحل هو إضافة قيمة للمنتج. بدأ في تجهيز فيليه السلور وناجتس السمك وبيعها من عربة طعام داخل الجامعة، ثم توسّع المشروع إلى سبع عربات.
هذه التجربة، رغم بساطتها، كشفت له درسًا سيعود لاحقًا في شركته: الطلب لا يُترك للصدفة دائمًا، ويمكن خلقه بمنتج مناسب وبسعر منطقي وبقصة واضحة. كما لاحظ سوقًا أوسع في إندونيسيا: “بانغاسيوس” (نوع من السلور) يُعالج ويباع كفيليه مجمّد عالي الجودة تحت مسمى تسويقي أكثر جاذبية مثل “دوري بانغاسيوس”.
لكن مع التوسع، ظهرت مشكلة تشغيلية أثقل من أي شيء آخر: تكلفة العلف. اكتشف جبران أن التغذية قد تمثل 70% إلى 90% من إجمالي التكلفة في الاستزراع السمكي. والأسوأ أن التغذية اليدوية قد تؤدي إلى إفراط أو نقص، ما يرفع الهدر ويضرب الإنتاجية.
المغذي الآلي: نقطة التحول التي صنعت eFishery
في 2012، صنع جبران نموذجًا أوليًا لمغذٍ آلي، ثم أطلقه رسميًا في 2013، مؤسسًا eFishery كشركة تكنولوجيا للاستزراع السمكي. الفكرة كانت مباشرة: جهاز يلتقط حركة الأسماك أو الروبيان لتقدير مستوى “الجوع”، ثم يطلق الكمية المناسبة من العلف في الوقت المناسب.
بحسب جبران، يمكن للمغذي الآلي خفض تكلفة التغذية بنحو 28% — رقم يفسر لماذا تحولت الفكرة بسرعة من اختراع محلي إلى منتج قابل للتوسع. والأهم أنه لم يُقدَّم كهدية مجانية للسوق. جبران كان واضحًا في موقفه: كثير من الشركات تخطئ حين لا تركز على اقتصاديات الوحدة (Unit Economics) من اليوم الأول، أما eFishery فكانت تبيع المنتج بربح منذ البداية.
المفاجأة أن طريق “المجاني” لم ينجح حتى لو جربه. يروي جبران أنه حاول توفير الجهاز مجانًا — بل وحتى دفع المال للمزارعين مقابل استخدامه — لكن كثيرين رفضوا ببساطة لأنهم اعتادوا طرقًا تقليدية لعشرين أو ثلاثين عامًا. الاختراق الحقيقي جاء حين وافق مزارع يمتلك قرابة 1,000 حوض على التجربة في جزء من أحواضه، لتبدأ الثقة بالتوسع من مزرعة إلى أخرى.
لاحقًا، توسعت eFishery لتخدم المزارعين بأكثر من جهاز: منصة تقدم منظومة متكاملة تشمل العلف، والتمويل، والوصول إلى السوق.
ووفق تقرير لـ CNBC Make It، أصبحت الشركة تخدم قرابة 60 ألف مزارع وتغطي نحو 280 ألف حوض، ما جعلها من أكبر الشركات في هذا القطاع داخل إندونيسيا.
نمو بلا “حرق” مبالغ… ونصيحة تتكرر
في حديثه، يكرر جبران فكرة تبدو بسيطة لكنها نادرة في الشركات الناشئة: لا تُحرق المال لمجرد النمو. يقول إنه لا يحب لعبة “رفع الحرق لرفع التقييم”، ويضيف جملة تلخص فلسفته: لا تستمع للمستثمرين حين يطلبون حرقًا أعلى… ثم يعودون لاحقًا للمطالبة بالربحية. بالنسبة له، الثابت الوحيد هو العميل الذي يريد منتجًا جيدًا اليوم وغدًا.
في يناير 2023، أعلنت eFishery أنها حصلت على تمويل Series C بقيمة 90 مليون دولار بقيادة مشتركة من Temasek وSoftBank Vision Fund 2 وSequoia Capital India. ومع الوقت، قُدّرت قيمة الشركة بنحو 1.4 مليار دولار، لتدخل نادي اليونيكورن من بوابة قد تبدو غير مألوفة: تكنولوجيا موجهة لأحواض السمك.